اسماعيل بن محمد القونوي
226
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
كونه آكد هو أن فيه تقديما وفيه تأكيدا وتقديما مع الضمير وهو آكد من الأول وتقديما مع الفاء وهو أوكد من الثاني وتقديما مع نحو الضمير والفاء إياي فارهبون وهو أوكد من الباقي فعلم منه أنه لو قال المصنف وهو أكد من وربك فكبر لكان أتم بيانا وأكمل نفعا فإن فيه صورا أربعا كما عرفت وهذا آكد من الصورة الثالثة وما ذكره المصنف الصورة الأولى فيوهم أن هذا آكد منها دون ما عداها . الطريقين أعني دخول الفاء وتكرير الاثبات بأن يجعل الفعل مشغولا بالضمير نحو زيدا فاضربه وعليه قوله تعالى : فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ [ العنكبوت : 56 ] فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] وينبغي أن يكون أوكد من الأول ووجهه على قانون تقرير صاحب الكشاف وما يكن من شيء فإياي ارهبوا ارهبوني فتكرير التعليق تأكيد للاختصاص وتعليقه بالشرط العام الذي هو وقوع شيء ما تأكيد على تأكيد وهذا تقرير واضح موضح للمقصود ثم قال إن ههنا مباحث الأول إِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] لا يصلح أن يجعل من باب الاضمار على شريطة التفسير مثال زيدا رهبته لأن الفعل المشغول بالضمير لا يصلح ناصبا لهذا الاسم على تقدير التسليط لامتناع توسط الفاء بين المفعول والفعل فينبغي أن يحمل على أنه مثله في كون الاسم منصوبا بفعل مضمر يدل عليه المذكور كما في باب الاضمار والجواب أنه منقوض بمثل رَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] وهو كثير في الكلام من غير خلاف في أن المنصوب مفعول الفعل وسره أن الفاء بالحقيقة داخلة في الاسم أي ما يكن فربك كبر وإنما زحلقت إلى الفعل ليقع الاسم في موضع الشرط كما في أما زيدا فاضرب ولهذا اتفقوا على أن في مثل الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما [ النور : 2 ] لولا اتفاق القراء على الرفع لكان من صور الاضمار على شريطة التفسير التي يختار فيها النصب الثاني أنه لا وجه لجعل الفاء جزائية مع ظهور كونها عاطفة على ما صرح به صاحب المفتاح ولا يقدح في ذلك اجتماعها مع الواو العاطفة لأن الواو لعطف المحذوف على الكلام السابق مثل أَوْفُوا بِعَهْدِي [ البقرة : 40 ] والفاء لعطف المذكور على ذلك المحذوف ووجه التغاير حينئذ الواجب بين عطف شيء على شيء هو أن مدلول الكلام ارهبوني رهبة بعد رهبة كما ذكر في قوله تعالى : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا [ الحج : 42 ] أي كذبوه تكذيبا بعد تكذيب فالرهبة المستفادة من فارهبوني بعد الرهبة المستفادة من إياي ارهبوا فيتغايران أو يقال إن الأول بطريق الاختصاص والثاني بدونه أو أن الثاني لقصد التفسير بخلاف الأول ومرتبة المفسر أن يقع بعد ما يقصد تفسيره وأنت خبير بأن هذا كله ذهاب عن قصد السبيل إذ ليس معنى إِيَّايَ فَارْهَبُونِ على تعدد الرهبة ولو كان فمثله ليس من تأكيد الاختصاص في شيء واجتماع حرفي العطف في مثل وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] لازم فالأوجه أن يقال لا وجه لجعل الفاء عاطفة مفتقرة إلى تعسفات كثيرة مع ظهور الجزائية الموافقة لمقصود الكلام ونقل الثقات نعم لما حذف الواقع موقع الجزاء حقيقة الجزاء زحلقت الفاء إلى المذكور المفسر له تحقيقا للمطابقة ودلالة على الجزائية وإقامة للمذكور مقام ما لزم حذفه فإنه كان بعد الفاء الثالث أن تأخير الفعل في مثل بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ [ الزمر : 66 ] وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [ المدثر : 3 ] ظاهر وفي مثل زيدا رهبته مفوض إلى قرينة المقام وأما مثل وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ونحو ذلك مما دخلت الفاء في المفسر فيقدر مؤخرا البتة ليقع الاسم موقع الشرط ويكون وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ بمنزلة وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ثم زحلقت الفاء بعد حذف الفعل إلى المفسر ولأن فيه دلالة على الاختصاص البتة حيث جعلت رهبة لازمة لمطلق الرهبة بأن قدر إن كنتم ترهبون شيئا فإياي ارهبوا وكذا سائر الأمثلة .